الصحة النفسية في عصر الأزمات المتلاحقة: كيف نحمي أنفسنا وأبناءنا من الإرهاق النفسي المزمن؟

الصحة النفسية في عصر الأزمات المتلاحقة: كيف نحمي أنفسنا وأبناءنا من الإرهاق النفسي المزمن؟

مقدمة: عندما تصبح النفس مرهقة من كثرة “التحمل”

في السنوات الأخيرة، لم تعد الأزمات مجرد أحداث متباعدة؛ بل أصبحت متلاحقة: أخبار حروب، ضغوط اقتصادية، تغيّرات دراسية ومهنية سريعة، ومحتوى رقمي لا يتوقف. هذا التراكم لا يسبب صدمة واحدة واضحة فقط، بل يخلق حالة من الإرهاق النفسي المزمن تجعل الشخص يشعر أنه متعب حتى دون سبب محدد. في مثل هذا المناخ، لم تعد الصحة النفسية رفاهية، بل أصبحت مهارة بقاء للأفراد والأسر معًا.

ما هو الإرهاق النفسي المزمن؟

الإرهاق النفسي المزمن هو حالة من التعب العميق المستمر، ناتجة عن التعرّض الطويل للضغوط اليومية والأخبار السلبية، دون فترات كافية للراحة أو التفريغ. يشعر الشخص بأنه “منهك من الداخل”، حتى لو لم يبذل جهدًا بدنيًا كبيرًا.
من علاماته الشائعة:

  • صعوبة في الاستمتاع بالأشياء التي كانت ممتعة سابقًا.
  • مزاج متقلب بين الضيق واللامبالاة.
  • شعور دائم بالإنهاك وقلة الطاقة.
  • تراجع القدرة على التركيز واتخاذ القرار.

هذه الحالة تشبه “التآكل البطيء” للصحة النفسية، وتختلف عن نوبة القلق أو الحزن العابرة التي ترتبط بحدث واحد واضح.

كيف تؤثر الأزمات المتلاحقة على الكبار والأطفال؟

عند الكبار

الكبار غالبًا ما يحمّلون أنفسهم مسؤولية توفير الأمان للأسرة في ظل ظروف صعبة، ومع تكرار الضغوط يتولّد شعور بالعجز أو الفشل، حتى لو كانوا يبذلون أقصى ما يستطيعون. هذا يرفع احتمال:

  • القلق المزمن واضطرابات النوم.
  • سرعة الغضب والعصبية داخل الأسرة.
  • الميل للعزلة أو الإفراط في استخدام الهاتف ومواقع التواصل للهروب.

عند الأطفال والمراهقين

الأطفال قد لا يفهمون تفاصيل ما يحدث، لكنهم يلتقطون المناخ العاطفي في البيت: صوت مرتفع، قلق، توتر، حديث مستمر عن الغلاء أو الأخبار المخيفة. تظهر الآثار في صورة:

  • تراجع في التحصيل الدراسي أو التركيز.
  • سلوكيات اندفاعية أو عنيفة، أو على العكس انسحاب وصمت.
  • شكاوى جسدية متكررة (صداع، ألم بطن) دون سبب عضوي واضح.

كيف نميز بين تعب عادي وإرهاق نفسي مزمن؟

الجدول التالي يساعد على تبسيط الفكرة للقارئ:

الحالةالتعب اليومي العاديالإرهاق النفسي المزمن
المدةساعات إلى يوم أو يومينأسابيع أو شهور متواصلة
السببمجهود واضح (عمل، دراسة)ضغوط عامة متراكمة وأخبار سلبية
الاستجابة للراحةتتحسن بعد نوم جيد أو إجازة قصيرةتحسن بسيط أو مؤقت ثم عودة للتعب
التأثيرتعب جسدي مع قدرة على الاستمتاعفقدان الشغف، مزاج منخفض، تشتت التركيز

الفكرة ليست أن نصنّف أنفسنا أو أبناءنا بقلق، بل أن نفهم متى نحتاج إلى تغيير جدي في نمط الحياة، ومتى نحتاج إلى طلب مساعدة متخصصة.

خطوات عملية لحماية النفس من الإرهاق المزمن

1) تنظيم التعرض للأخبار والمحتوى الرقمي

الإفراط في متابعة الأخبار السلبية ووسائل التواصل يزيد شعور العجز والخوف.
جرّب مع نفسك وأسرتك:

  • تحديد أوقات محددة لمتابعة الأخبار (مثلاً مرة أو مرتين في اليوم، لا على مدار الساعة).
  • إلغاء متابعة المصادر التي تبالغ في التهويل أو نشر الخوف.
  • استبدال جزء من وقت التمرير اللانهائي بمحتوى تعليمي أو ترفيهي هادئ.

2) بناء روتين يومي صغير يمنح الإحساس بالثبات

في عالم متغير، يحتاج العقل إلى نقاط ثابتة.
اختَر 2–3 عادات يومية بسيطة:

  • وقت ثابت للنوم والاستيقاظ قدر الإمكان.
  • وجبة عائلية مشتركة في اليوم (حتى لو قصيرة).
  • 10–15 دقيقة حركة جسدية (مشي، تمارين بسيطة في البيت).

الروتين ليس ترفًا، بل هو “عمود” تتكئ عليه النفس وسط الفوضى.

3) استخدام مهارات التكيف بدل الاستسلام أو الإنكار

المرونة النفسية لا تعني تجاهل المشاعر، بل التعامل معها بوعي.
جرب:

  • تسمية الشعور: قلق، خوف، حزن، تعب.
  • كتابته في جملة قصيرة.
  • اسأل نفسك: «ما الخطوة الصغيرة جدًا التي أستطيع القيام بها الآن لتحسين الوضع ولو بنسبة بسيطة؟»

هذه الخطوة البسيطة تنقل العقل من وضع الضحية إلى وضع الفاعل.

4) حماية الأطفال من “عدوى القلق”

الأطفال يلتقطون قلق الكبار حتى لو لم يفهموا التفاصيل.
لذلك:

  • تجنب النقاشات العصيبة عن المال أو الأخبار أمامهم قدر الإمكان.
  • اشرح ما يحدث بلغة مطمئنة ومناسبة لعمرهم، دون تهويل ولا كذب.
  • اسألهم عن مخاوفهم؛ أحيانًا يكفي أن تقول: “مسموح أن تقلق، وأنا هنا معك”.

ماذا نفعل عندما نشعر أن الإرهاق تجاوز قدرتنا؟

هناك مؤشرات تستدعي التوقف وطلب مساعدة متخصصة:

  • استمرار الحزن أو القلق لأكثر من أسبوعين مع تأثير واضح على العمل أو الدراسة.
  • فقدان الاهتمام بمعظم الأنشطة، واضطراب نوم وشهية بشكل ملحوظ.
  • ظهور أفكار سلبية متكررة عن الذات أو الحياة.

في هذه الحالات، التواصل مع مختص نفسي ليس ضعفًا، بل قرار شجاع لحماية نفسك وأسرتك على المدى الطويل.

خاتمة: العناية بالنفس ليست أنانية

في عصر الأزمات المتلاحقة، حماية الصحة النفسية أصبحت مسؤولية شخصية وأسرية. تنظيم ما يدخل لعقولنا من أخبار، بناء روتين صغير ثابت، تدريب النفس على المرونة بدل الانكسار، والانتباه لإشارات الإرهاق المبكر؛ كل ذلك خطوات عملية يمكن لأي شخص البدء بها اليوم. عندما تعتني بنفسك، فإنك في الحقيقة تعتني أيضًا بأبنائك ومن تحب، لأنهم يعيشون في ظل حالتك النفسية قبل أي شيء آخر.

مقالات ذات صلة